مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

رؤى فلسفية

وهم الحرية... من يختار حقًا؟


نعيش اليوم في عالم يرفع شعار الحرية في كل زاوية. يهمس لك منذ الصباح: اختر ما تشاء، افعل ما تريد، الطريق مفتوح أمامك. يبدو كل شيء متاحًا، وكل الأبواب قابلة للفتح، وكل الاحتمالات ممكنة. لكن المفارقة، يا صديقي، أن هذا العالم نفسه هو الذي يوجّه اختياراتنا من حيث لا نشعر، ويدفعنا إلى طرق لم نخترها حقًا، ثم يقنعنا أننا أصحاب القرار الكامل. وهنا يولد السؤال الأخطر: هل نمارس حريتنا فعلًا... أم نتحرك داخل مسار صُمّم لنا بعناية؟
الحرية الحديثة براقة، لكنها كثيرًا ما تكون حرية مُعلّبة، جاهزة، تُقدَّم للإنسان على هيئة بدائل محددة، كأن العالم يقول له: اختر ما شئت... لكن من داخل هذه القائمة فقط. نحن نتخيّل أننا نملك القرار، بينما الحقيقة أن قراراتنا تُصاغ في خلفية وعينا بواسطة إعلام يعرف كيف يلمس غرائزنا، وتسويق يقرأ رغباتنا قبل أن نعترف بها، وخوارزميات تحفظ نقاط ضعفنا كما لو كانت دفترًا سريًا مفتوحًا أمامها. هنا، يا عزيزي، لا تأتي الفلسفة لتمنحنا إجابة سهلة، بل لتعيد السؤال إلى جذره: ما معنى أن أختار أصلًا؟ وما قيمة الحرية إذا كانت رغباتي نفسها موجّهة دون وعي؟
الفلسفة تكشف أن الحرية ليست كثرة الخيارات، بل القدرة على تمييز ما إذا كان الخيار لنا... أم فُرض علينا بطريقة ناعمة. الحرية ليست قائمة نلتقط منها ما يعجبنا، بل بوصلة داخلية ترشدنا نحو ما يشبهنا حقًا. إنها القدرة على قول «لا» حين يندفع الجميع وراء «نعم». الإنسان غير الواعي قد يخدع نفسه، يظن أنه حر لمجرد أن أمامه طرقًا كثيرة، بينما هو يختار دائمًا الطريق نفسه الذي دُفع إليه نفسيًا أو اجتماعيًا دون أن ينتبه. الحرية الحقيقية تبدأ حين نفهم دوافعنا، ونكشف تلك الأصوات الخفية التي تهمس في عقولنا كل يوم.
ومع ذلك، فإن الهروب من الحرية الزائفة ليس سهلًا. فالعالم الحديث متقن في صناعة أوهام الاختيار: منتجات متعددة لكنها متشابهة، أفكار تُسوَّق كأنها قرارات فردية بينما هي موجات جماعية، اتجاهات نظن أننا اخترناها بينما هي مجرد تكرار لما يُعرض علينا باستمرار. أصبح الإنسان محاصرًا بين ما يريده حقًا، وما يُراد له أن يريده. بين ذاته الحقيقية، وصورته الرائجة. وهنا تتقدم الفلسفة خطوة شجاعة، يا صديقي القارئ، حين تدفعنا إلى مواجهة أنفسنا بصدق: هل هذا قراري... أم ظل قرار لم ألحظه؟
الاختيار الحقيقي لا يبدأ من الخارج، بل من الداخل. لا يبدأ من قائمة البدائل، بل من الأسئلة التي نطرحها قبل أن نمد أيدينا نحو أي طريق. حين نفهم أن الحرية ليست في أن نجرّب كل شيء، بل في أن نمتلك القدرة على الامتناع. وأن القوة ليست في السعي وراء كل ما هو متاح، بل في السير نحو ما ينسجم مع قيمنا ووعينا وتلك البقعة الهادئة داخلنا التي نعرف عندها ما نريد حقًا. هنا تُعيد الفلسفة تشكيل وعينا، وتكشف لنا أن الحرية ليست حدثًا خارجيًا... بل رحلة شاقة نحو أنفسنا.
في عالم يبيع الوهم بسرعة الضوء، يصبح وعي الإنسان آخر حصن للحرية. لسنا بحاجة إلى خيارات أكثر، بل إلى بصيرة أعمق. لسنا بحاجة إلى طرق جديدة، بل إلى عين ترى الطريق كما هو، لا كما يُراد لها أن تراه. الحرية ليست شعارًا نعلّقه، بل مسؤولية نعيشها؛ مسؤولية أن نكون صادقين مع أنفسنا، حتى حين يكون الصدق مؤلمًا. ومن يملك شجاعة السؤال، يا عزيزي، يمتلك نصف الحرية.
وأقسى ما قد يكتشفه الإنسان ليس أنه خُدع، بل أنه عاش عمرًا يظن نفسه حرًّا وهو يسير في طريق رُسم له مسبقًا. لكن إن كانت الحرية قابلة للتزييف، فماذا يحدث للقلب حين يستيقظ داخل علاقة فقدت روحها؟ أما الوجه الآخر للحكاية... فنفتحه الأسبوع المقبل في رؤى فلسفية.
*****************************
بقلم/ محمد جادالله
كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط
[email protected]